الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

62

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجيء في هاته الصلات بالأفعال المضارعة لتدل على استحضار الحالة الفظية ، وليس المراد إفادة التجدّد ؛ لأنّ ذلك وإن تأتّى في قوله : يَكْفُرُونَ لا يتأتّى في قوله : وَيَقْتُلُونَ لأنّهم قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط في زمن مضى . والمراد من أصحاب هذه الصلات يهود العصر النبوي : لأنّهم الذين توعّدهم بعذاب أليم ، وإنّما حمل هؤلاء تبعة أسلافهم لأنّهم معتقدون سداد ما فعله أسلافهم ، الذين قتلوا زكرياء لأنّه حاول تخليص ابنه يحيى من القتل ، وقتلوا يحيى لإيمانه بعيسى ، وقتلوا النبي أرمياء بمصر ، وقتلوا حزقيال النبي لأجل توبيخه لهم على سوء أفعالهم ، وزعموا أنّهم قتلوا عيسى عليه السلام ، فهو معدود عليهم بإقرارهم وإن كانوا كاذبين فيه ، وقتل منشا ابن حزقيال ، ملك إسرائيل ، النبي أشعياء : نشره بالمنشار لأنّه نهاه عن المنكر ، بمرأى ومسمع من بني إسرائيل ، ولم يحموه ، فكان هذا القتل معدودا عليهم ، وكم قتلوا ممّن يأمرون بالقسط ، وكل تلك الجرائم معدودة عليهم ؛ لأنّهم رضوا بها ، وألحّوا في وقوعها . وقوله : بِغَيْرِ حَقٍّ ظرف مستقر في موضع الحال المؤكّدة لمضمون جملة يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ إذ لا يكون قتل النبيّين إلّا بغير حق ، وليس له مفهوم لظهور عدم إرادة التقييد والاحتراز ؛ فإنّه لا يقتل نبيء بحق ، فذكر القيد في مثله لا إشكال عليه ، وإنّما يجيء الإشكال في القيد الواقع في حيّز النفي ، إذا لم يكن المقصود تسلّط النفي عليه مثل قوله تعالى : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [ البقرة : 273 ] وقوله : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وقد تقدم في سورة البقرة [ 41 ] . والمقصود من هذه الحال زيادة تشويه فعلهم . ولما كان قوله : وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مومئا إلى وجه بناء الخبر : وهو أنّهم إنّما قتلوهم لأنّهم يأمرون بالقسط أي بالحق ، فقد اكتفي بها في الدلالة على الشناعة ، فلم تحتج إلى زيادة التشنيع . وقرأ الجمهور من العشرة يَقْتُلُونَ الثاني مثل الأول - بسكون القاف - وقرأه حمزة وحده « ويقاتلون » - بفتح القاف بعدها - بصيغة المفاعلة وهي مبالغة في القتل . والفاء في فَبَشِّرْهُمْ فاء الجواب المستعملة في الشرط ، دخلت على خبر إنّ لأنّ اسم إنّ وهو موصول تضمن معنى الشرط ، إشارة إلى أنّه ليس المقصود ، قوما معيّنين ، بل كل من يتّصف بالصلة فجزاؤه أنّ يعلم أنّ له عذابا أليما . واستعمل بشّرهم في معنى أنذرهم تهكّما .